الرئيسية أعمال البنوك ونظام “سویفت” العالمي للتحویلات المالیة

البنوك ونظام “سویفت” العالمي للتحویلات المالیة

البنوك ونظام “سویفت” العالمي للتحویلات المالیة بعد غزو روسیا لأوكرانیا قبل أیام قلیلة، وذلك لشيء في نفس الرئیس بوتین القیصر الروسي الجدید، ووسط الدھشة العالیة المتواترة وكرد فعل معاكس بدأ العالم في تنفیذ اجراءات عقابیة اقتصادیة ضد روسیا المعتدیة لاخلالھا بالسلم والأمن العالمي والاعتداء على دولة أوربیة ذات سیادة وعضو في الأمم المتحدة. والعقوبات الاقتصادیة التي تم اتخاذھا موجھة ضد أشخاص وأفراد معینین أولھم “بوتین” ومن معھ من شركاء في ھذا الغزو غیر المبرر بعد أن تجاوزت أوربا مرحلة الحروبات التي عانت منھا كثیرا وفقد الملایین من الأرواح وأكثرھم من روسیا نفسھا. واضافة للعقوبات الشخصیة، كذلك ھناك عقوبات اقتصادیة ضد روسیا كدولة معتدیة طاغیة ومھددة للأمن والسلام العالمي. والعقوبات الاقتصادیة ضد روسیا تتم عبر عدة طرق ووسائل، ولكن ما یھمنا ھنا منع ووقف روسیا من التعامل مع العالم عبر نظام “سویفت” العالمي للتحویلات المالیة، وبھذا تخرج روسیا من منظومة التحاویل البنكیة العالمیة لأن ھذه التحویلات تتم عبر ھذا النظام العالمي الموحد. وللعلم، سبق أن فكر العالم في استخدام نظام “سویفت” كعقوبة ضد روسیا في 2014عندما غزت شبه جزیرة القرم، ولكن ھذا الاجراء لم یتم في ذلك الوقت ویبدو أن الفكرة ظلت مختمرة حتي تم اللجوء الیھا الآن، ونأمل أن تحقق الفائدة منھا، ولو لجزء یسیر. نظام “سویفت” معروف لدى الجمیع في العمل المصرفي الیومي حیث یتم استلام التحویلات المالیة من كل دول العالم عبره وفي نفس الوقت تقوم البنوك بارسال التحویلات الخارجیة الخاصة بزبائنھا عبر ھذا النظام الآمن والموثوق من الجمیع وقلیل التكالیف. وھذا النظام متبع منذ فترة وبصفة دائمة ویومیة، ولكن طرأ اسم “سویفت” ھذه الأیام وقفز للسماء وأصبح على كل لسان وموضوع حدیث مشترك وتحلیلات واستفھامات؟ وكل ھذا بسبب لجوء دول العالم الى “سویفت” لمعاقبة روسیا والاقتصاص منھا بسبب عدوانھا على أوكرانیا. وھذا التصرف الغرض الریئسي منھ احكام الضغط على الاقتصاد الروسي لاضعافھ للدرجة التي ربما تجبره على وقف ھذا العدوان والتراجع عنھ. وفعلیا، ومن واقع البیانات المتوفرة، تراجعت العملة الروسیة بشكل ملحوظ وتوقفت معاملاتھا وتبادلاتھا التجاریة مع أرجاء العالم وتأثر سعر الفائدة وأسعار الأسھم وتم قفل بورصة موسكو وتم منع الطیران الروسي من دخول أوربا وأمریكا والكثیر سیأتي. وبكل قوة نستیطع القول الآن، بأن نظام “سویفت” أصبح سیفا قویا في ید العالم ضد المعتدي ونأمل أن تحسن ھذه الید استخدام السیف “لأن القوة لیست في السیف المھند البتار وانما في الید التي تستخدم ھذا السیف”. ونظام “سویفت” البنكي ھو سیف العالم لرد ھذه العدوان. فكیف نستخدمھ بعد شھره؟ وللتوضیح، فان كلمة “سویفت” المستخدمة في كل العالم بنفس اللغة الانجلیزیة، ھي اختصار لجملة “جمعیة الاتصالات المالیة العالیمة بین البنوك” وھي منظمة تقدم خدمة المراسلات والتحویلات الخاصة بالمدفوعات المالیة وبتكلفة مالیة مناسبة، وجمیع البنوك تستخدم “سویفت” للحاجة الماسة لھ. ونشأت فكرة “سویفت” في نھایة الستینیات من القرن الماضي مع تطور التجارة العالمیة وزیادتھا، وتكونت منظمة “سویفت” في العام 1973 ومقرھا الرئیس بلجیكا، وبدأ نشاطھا الفعلي الكثیف حول العالم في حوالي عام 1977 .وھذا النظام العالمي الموحد یملكھ المئات من البنوك والمؤسسات المالیة خاصة وأن الھدف من تكوینھ منع احتكار ھذه المعاملات المصرفیة الھامة والحساسة في ید جھة معینة أو بلد واحد، ومن ھذا التكاتف الدولي ووحدة الھدف یستمد نظام سویفت قوتھ وفعالیتھ اضافة لأھمیتھ البالغة والمباشرة في العمل المصرفي والتجاري. ویمكن تطبیق نظام “سویفت” لتبادل الرسائل في مختلف العملیات المصرفیة، مثل مطابقة أوامر الزبائن بین الجھات العدیدة المتداخلة بالعملیة والتصدیق علیھا، كما یطبق في التحویلات النقدیة الخاصة بالعملیات ونتائج التسویة، وأیضا في التصدیق على تنفیذ عملیات التداول وتسویتھا بین الأطراف المعنیة، وبالطبع یمكن تطبیق نظام سویفت في كافة العملیات المتعلقة بالتغیر في أرصدة الزبائن. ومن ً ل ً طریقة ال “تلكس” الذي كان مستخدما منذ مئات السنین بطرق تقلیدیة لا تتماشي مع الناحیة العملیة، متطورا یعتبر “سویفت” بدیلا سرعة المعاملات في ھذا العصر، العصر الرقمي. ونظام سویقت یغطي جمیع المراسلات المتعلقة بالتعاملات المالیة والبنكیة التي تتم بین البنوك والمؤسسات المالیة، حیث یوفر ھذا النظام الحمایة والسرعة الكاملة المطلوبة لمثل ھذه التعاملات ومتابعة تسلیمھا للجھات المعنیة. وتستخدم البنوك نظام “سویفت” لإرسال رسائل موحدة حول عملیات تحویل المبالغ فیما بینھا، وتحویلات المبالغ للزبائن، 1 وأوامر الشراء والبیع للأصول، والعدید من المعاملات المصرفیة الیومیة التي یطلبھا الزبائن.. وبسبب حظر ومنع روسیا من ھذا النظام، فانھا لن تتمكن من تقدیم كل ھذه الخدمات الھامة أو الاستفادة منھا، وقطعا ھذا الاجراء سیدخل “في العظم” ویضغط في مفاصل الاقتصاد الروسي وكافة عملیاتھا المصرفیة، وھذا ھو المأمول من رفع سیف نظام “سویفت” العالمي. (ویا للصدفة العجیبة، لأن مقر “الناتو” العسكري أیضا في بلجیكا). ولكن ھل ھذا الاجراء العقابي بدون مخاوف تتعلق بمدى تأثیره الفعال؟ من دون شك، ان روسیا كانت ترتب لھذا العدوان منذ مدة طویلة لقناعتھا بأن امنھا الداخلي یحتاج لمنع تمدد حلف الناتو العسكري والذي بدأ یطوق روسیا من جمیع الجھات وبما یشكل لھا خطرا عسكریا كبیرا وأوكرانیا أصبحت في الواجھة برغبتھا أو العكس لا ندري والتاریخ سیوضح. ومنذ غزو روسیا لشبھ جزیرة القرم في 2014 وبدایة المناداة في ذلك الوقت بحرمان روسیا من نظام “سویفت”، قررت روسیا حمایة نفسھا وأقامت نظام “سویفت” خاص بھا ومعھا بعض الدول القلیلة العدد، وأھمیة ھذا النظام الروسي البدیل، ویطلق علیھ اسم “میر”، تكمن في امكانیة خلق نظام أو أنظمة بدیلة للقیام بدور نظام “سویفت” العالمي. وھذه نقطة قد تحسب من نقاط الضعف في نظام سویفت وذلك لامكانیة وجود البدیل المناسب. وكذلك، في نفس المنحى، نقول أن الصین أیضا لھا نظام تحویلات خاص بھا بعد أن شعرت بالتھدیدات والسیطرة الأمریكیة ودولار العم سام على النظام المالي العالمي والصین خاصة. ولنفس ھذه الدوافع والمنطلقات أیضا، تم تأسیس منظومة ” دول البریكس” من عدة دول على رأسھا روسیا والصین وانضمت لھم الھند والبرازیل وجنوب أفریقیا، وھناك عدة دول كبیرة انضمت للبریكس أو في طریق الانضمام. وكل ھذه الخطوات المتتابعة، واكبرھا تأسیس مجموعة “بریكس” الھدف منھا العمل لایجاد بدائل للنظام العالمي المالي بصورة جدیدة وأفكار جدیدة. ومن المتوقع أن تستعین روسیا بدول البریكس في التعاون لكسر طوق الحظر، ولاحظنا أن الصین والھند كانت من الدول الممتنعة عن التصویت في قرار مجلس الأمن الذي قدمتھ أمریكا لادانة روسیا. وھذه ضربة البدایة التي تشیر الي امكانیة عدم اتخاذ القرار الموحد على مستوى العالم في مثل ھذه القرارات الخاصة بالعقوبات الاقتصادیة ضد الدول. أیضا، قد یكون ھناك عقوبات عكسیة عند استخدام نظام “سویفت” على روسیا. ونقصد بالعقوبات العكسیة تضرر دول أخري وشركاتھا من ایقاف التعامل مع روسیا خاصة وأن ھناك العدید من الدول الأوربیة التي تنظر لھذه العقوبة على مضض وبدون ارتیاح تام لأن حد “سیف العقوبات” سیصلھا بمجرد منع روسیا من نظام “سویفت” لأن تعاملاتھا التجاریة مع روسیا خاصة في مجالات استیراد الطاقة من الغاز والبترول ستتضرر كثیرا بل ستفقدھا تماما عند توقف التعامل مع روسیا، والطاقة أمر حیوي لكل بلد ولكل حركة ولیس من السھولة التنازل عنھا أو العیش بدونھا. وكذلك ستضرر الشركات الأوربیة التي تقوم بتصدیر الكثیر من المواد والمنتجات لروسیا، والضرر یأتي من قفل ھذا السوق الكبیر، اضافة الى صعوبة حصول ھذه الشركات على أموالھا ودیونھا الموجودة من قبل في روسیا، وربما لا تحصل علیھا اطلاقا كعقاب عكسي من روسیا. ھذه بعض “الھنات”، اذا جاز لنا القول، في طریق استخدام نظام سویفت الموحد في مواجھة روسیا. ولكن، كما ثبت فعلیا، ھناك آثار حالیة تدل على أثر ھذا الاجراء وبدایة تأثر العمل المصرفي والتجاري الروسي وأنھیار الروبل، وربما تظھر آثار أخرى على المدى البعید. وعلى الدول التي تقف خلف ھذا الاجراء العقابي أن تجتھد في توسیع الدائرة وتضییق الخطوات لزیادة الضربات على الاقتصاد الروسي مما یقود الى اضعافھا وعدم التفكیر في المستقبل المنظور في الاعتداء على الآخرین ومھما كان حجمھم. ومن دون شك فان الحروب الاقتصادیة لا تقل عن الحروب العسكریة وتقود الى انھیار الدول، ولو بعد حین. ولكن، بكل أسف، ھذه الضربات والعقوبات الاقتصادیة تؤثر مباشرة على الشعوب التى ستعاني مباشرة في معیشتھا وحیاتھا الیومیة وسیتحمل كل بیت ھذه الضربات التي لا ناقة لھ فیھا ولا بعیر.. ولذا، لزم الموازنة والحكمة.