الثلاثاء , أكتوبر 3 2023

( النهام ) حنجرة البحر الشجية التي ألهمت الغواصين وشحذت همة العمل

قديما، كان لا يمكن أن تكتمل رحلات الغوص لصيد اللؤلؤ في مياه الخليج العربي دون أن يرافقها ” النهام” ، بل وكان يتحرى أهل الغوص في مملكة البحرين ذلك الصوت الشجي الرنان ـ الفريد من نوعه ـ الذي يتعين أن يكون ركنا أساسيا في رحلتهم، والتي تمتد في العادة قرابة الأربعة أشهر.

يتساءل كثيرون، سيما من أبناء هذا العصر، ما حاجة “سفن ” غوص لا تضم سوى بحَّارة متخصصون إلى “نهام” يطربهم ليل نهار، وما الدور الذي يمكن أن يوكل لفرد لا يملك سوى طبقة صوت تتسم بالثقل والأصالة والرصانة معا، وهم يذهبون بعيدا إلى أعماق مناطق صيد اللؤلؤ “الهيرات”.كونه محركا رئيسيا من محركات العمل على ظهر السفينة .

بدت الحاجة للاستعانة بـ “النهام” وصوته الرخيم كأنيس يشد من أزر أهل الغوص وعضدهم في أيامهم الموحشة، حيث كانوا يتركون ذويهم أياما وليال ليخوضوا وحدهم دون معين أهوال البحر وأخطاره ، ويتقوون به على عمل مضنٍ يضطرون فيه لمنازلة قيعان البحار بمعدات بسيطة بدائية لجمع المحار.

لكن الحاجة الأكبر لـ “النهام” تمثلت في هذه القدرة العجيبة التي كان يمتلكها المميزون منهم لحشد العاملين على متن سفن الغوص وبث الحماس فيهم وشحذ هممهم ، وذلك لبذل مزيد من الجهد وأداء مهام العمل الجماعية الجسيمة المطلوبة منهم على ظهر السفن.

وتبدأ هذه الأعمال التي يشارك فيها الجميع في منظومة متكاملة بدءا من ” اليرار” أو سحب السفينة إلى البحر وغمرها بالماء ” تطبيعها ” بعد توقف دام أشهرا، وتمر هذه الأعمال الشاقة والممتعة في آن بـ “الخطفة” التي تشير لعملية رفع أو “خطف” الشراع وتثبيته في عاموده الخشبي الكبير أو “الفرمن” والإبحار به، ثم الانتقال من “هير” أو مغاص لآخر لجمع المحار، وجر المجاديف، ثم إلقاء المرساة للوقوف في مكان ما أو ما يعرف باسم “الطرحة”، وثم سحب حبل المرساة، واخيرا إعلان “القفال” مع عودة السفينة لليابسة واستقبال الأهالي لمن كانوا على متنها.

إن جملة هذه الأعمال المرهقة لم تكن لتتم أو لتُنجز بالشكل وبالسرعة المطلوبين دون موال أو أهزوجة أو ترنيمة غنية بالدلالات والإشارات ينشدها ” النهام” ويرددها البحارة من حوله.

وما يصدح به ” النهامون” عندما تجود بها قريحتهم من مواويل أو زهيريات ، تبدأ في العادة بذكر الله عز وجل والصلاة على النبي في دعاء روحاني ندر أن يوجد مثله في الفنون الشعبية الأخرى، طلبا للعون من الله سبحانه على رحلة الغوص الشاقة، آملين أن تكلل هذه الرحلة بوفرة الصيد التي يعتمدون عليه في كسب رزقهم ومعيشتهم والعودة الآمنة للأهل والأحباب بعد طول الغياب ، اهازيج الغوص لا تحفز البحارة فحسب، وتعينهم على قضاء الوقت وأداء العمل، وإنما تدفعهم دفعا إلى السماء في حالة وجدانية رائعة، إذ تدب في أوصالهم العزيمة وروح الأخوة والمودة التي يتغلبون بها على مصاعب أيامهم ومشاعر الشوق الى الاهل والاولاد وهم في غياهب البحر بحثا عن الرزق ولقمة العيش.

وقد أطلقت “النهمة” شرارة الفنون الشعبية الخاصة بالبحر في الخليج العربي ككل، وأُرست بذور هذا الفن الأصيل في البحرين، تحديدا، باعتبارها كانت مركزا للغوص وصيد ” الدانات ” أو اللآلئ بالمنطقة، وصار ” النهامون” عقب انتهاء موسم الصيد، وبخاصة خلال فصل الشتاء، نواة لـ ” الدور” الشعبية التي انتشرت في الاحياء السكنية أو على ساحل البحر ويتجمع فيها البحارة للسمر والغناء والطرب، والتي أبدعوا فيها فنونا مختلفة لها مسمياتها كـ ” الحدادي” و” لفجري” و ” العدساني ” وغيرها من الوان الطرب الشعبي والتي انتقل مسارها من البحر لتستقر في اليابسة وحتى بعد انتهاء وانحسار عمل الغوص على اللؤلؤ لتستمر سنين طويلة كفن شعبي متوارث أرساه الآباء والأجداد من جيل البحر ورجال الغوص في مملكة البحرين.

شاهد أيضاً

“التنمية السياسية” يصدر كتاب “الأطلس السياسي”

المنامة في 17 يوليو / بنا / أعلن معهد البحرين للتنمية السياسية عن إصدار النسخة …

هيئة الثقافة تنظم فعالية مبادرة “كتاب ومكان” في بهو مسرح البحرين الوطني يوم غداً الأربعاء

  تناقش كتاب “البوكر في ميزان النقد” للدكتورة مي السادة والأستاذ رسول درويش.. هيئة الثقافة …

الأردن: الإعلان عن فعاليات مهرجان جرش

عمّان في 11 يوليو /بنا/ أعلنت وزيرة الثقافة الأردنية، رئيسة اللجنة العليا لمهرجان جرش للثقافة …

منظمة الإيسيسكو تدعو الباحثين إلى المشاركة بأوراق بحثية حول إسهامات الفارابي الفكرية

الرباط في 11 يوليو / بنا / دعت منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، …