الرئيسية مقالات طائر النَّوْرَس.. حين يأتي البياض

طائر النَّوْرَس.. حين يأتي البياض

 

ناصر البهدير

الرقعة المنسوجة على حجل الأرجل الهشة تبدو في الأفق كسطح أبيض من قزع الخريف أو لوَّز القُطْنُ، والقلب بين قوسين أقرب للرحيل إلى دُنًى تفيض بالمحبة.. محبة الطرقات التي يسلكها الطائر العنيد في ذهابه وآيابه، كلما شعر بخطر يحدق بمعدنه النادر.

هكذا يدنو من السفر قاطعًا المسافات على رفيف أجنحته البضة والمتألقة بنبض الأشواق التي لا تفتر من أن تشق الفضاء.

رحلاتٌ طويلةٌ شاقةٌ، يتكبد فيها العناء والرهق. غير أنه في نهاية المطاف سينتصر رغم مصاعب الطريق الوعر، وتبدلات المناخ. ومن ثم يعبر تيه المفازات، ويمخر عُباب البحار، وعنان السماء، ويشق أديم الليل والنهار، وآفاق الطريق، ضاربًا بين الأُفُقان: المشرق والمغرب حتى يتخطى عتبات جوعه، من متاهة إلى متاهة، لينعم بوفرة في الطعام، ولو إلى حين أجل مسمى.

بيني وبينه موعد من الحضور. يدق بابي وأدق بابه، ومتني لا يكل كما جناحه الممعن في الجسارة والحياة، يوم أن عرفته لأول مرة وصادفته في بلاد البحرين أو على الأحرى في أرض ساحل المحرق الممتد في غربها الجبار والمحاذي لجزيرة البحرين الكبرى.

يأتي كل عام من بلاد الصقيع والزمهرير في شهر أكتوبر، ويحل على الشواطئ برقة الواهب والمتلقي.. ثنائية الضد التي ينثرها النورس حين يهبط بدعة السكون والضجيج على أرخبيل البحرين عند مداخل الشتاء من كل عام على نحو خاص بجزيرة المحرق عند خاصرة جسر الشيخ حمد العتيق.. كأن بيننا وعد التلاقي منذ أكتوبر 2008م، حين أرخيت متراري على ماء البحر انشد إكمال نسيج النهاية.. الخيوط تسمح بماء المد والجزر وتكتفي بالأفول صوب المدى البعيد. وقتها استدبرت نهر النيل العظيم خلف توتراتي وقلقي المستطير حتى استقبلت البحرين بقلب يئن من وطأة الريح المباغت ورعشة المطر المزلزل.

وتلاقينا غرباء ولم نفترق حتى لحظتئذ.. وهو ينهل من معرفته؛ ذهابًا وأيابًا بينما قلبي ينبض بحنينه وأشواقه بعيدًا عن بلاد النيل العظيم.

ما أنبل عمر الحجر وأقسى عمر العظم! والنخر لا يستثنى كليهما حتى النخاع. وكلما ارتفعت درجة الرطوبة، النخر يصعد إلى علياءه بصبر هائِل لا يحسد عليه. وفي حجر المحرق سلواي ونجعتي وراحتي وقيدي، كلما أدلهمت خطوب وحاصرتني في بيداء روحي المتناثرة، ولا عزاء. وعبر أناملي أمسح على سطحه الأبيض، وأدون طلاسمي وتمائمي وتعاويذي التي ما أنفكيت من ترتيلها عند كل أرخبيل.

كُلٌّ وَمَسْلَكُهُ. كُلٌّ شيءٌ هش تنهشه قطرات الماء وتفتته إلى شظايا صغيرة حتى تلك الأسماك الصغيرة التي يتبادلها النورس بحنكة وقتال شرس للغاية. لا طائر ينتظر حتى تمر الأسماك الصغيرة بمهل بين الأفواه؛ فالجميع في سباق عارِم لا ينتهي البتة مهما أرخيت جسدك لبلوغ النهايات من الأزمنة السحيقة أو القادمة بجنوح. فالنورس لا ينفك يقذف بجنونه وتفلته العنيف ونصب شراكه الوعرة في فيض الماء المالح رغم هزالة الجسد الضامر على رشاقة وأناقة.

قامةٌ مهيبةٌ لا تتقاصر دونها المعابر والمحيطات والأمواج التي لا تهدأ مذ خلق الخليقة. يظل يحفر بأظافره فويق المياه وفي جوفها العميق بلا كلل ولا ملل أو ينتظر جهد صيد الآخرين المجبولون على الصراع. الكائن الحي المسمى (النورس) ينصب نفسه السيد ورب المياه بلا سلطة حقيقية سوى أهاب لونه المكتسب من الطبيعة. هل حقًا يتوارى خلف اللون كما يصنع البعض حياته من بني الإنسان! أم أن للأمر شأنًا مخْبُوء عنا؟ بالطبع النورس معروف بخِفَّة اليد وكسول للحد الذي يدفعه للوقوع في فخ التذاكي والتخابث لنيل العيش، وما أمره حينما يكون ذلك، دونه خرط القتاد. فالمسافات تصنع نفسها بنفسها في ظل رهق رحلة طويلة الأمد، تنتهي أو لا تنتهي إذن على الطائر خوض صعابها بين أعاصير المجهول ومظان الطقس المتقلب من حين لآخر، وهو عابرًا المفازات الحارة والمحيطات الباردة.

فالطائر مائي حتى النخاع، يفر من اليابسة كلما لاح في أفق رؤيته شيئًا ما غريب يشبه حبات الرمل أو الطين أو القردود. تسكنه الماء ويسكنها عن حب مشترك لا يزول قرب كل الشواطئ التي يألفها، ومهبط رزقه الوفير من الأسماك أيًا كانت، وما أحلى صغارها على منقاره الرهيف والحاد.

على ساحل المحرق الغربي المار فويقه جسر الشيخ حمد، في الصباحات الباكرة يحدث شيء يتعلق بحياة الصيادين. هكذا الصباح يبدو هادئًا حينما تبدأ لحظات انتقال مراكب الصيادون بعيدًا نحو مياه الخليج العربي والتي تسبقها الاستعدادت الكاملة من نظافة واطمئنان على كل معينات ومعدات الرحلة البحرية والتي قد تستغرق ساعات النهار أو بعض أيام ربما لا تتجاوز الأسبوع أو أكثر بحكم صغر القارب الواحد.

لحظات ويعج الساحل بالصخب المكرور المنطلق من مناقيرها في شكل صيحات عالية شبيهة بالعواء، وحركة دائرية لا تهدأ حول الزورق المغادر أو الذي يمارس النظافة بحكم العادة، وكأن الأمر معركة حقيقية تخوضها النوارس لسبب ما مجهول، ولا يعدو كونه جلبة سعي الرزق، لطالما يتغذى على البقايا والفضلات والدَّمال. وهذا ريعها من الهجرة ومكسبها الإنتقائي المريح.

تتحرك المياه في دواماتها المتصلة دون ضجيج كبير في الأوقات العادية والتي تمور بالسكون الأقرب إلى حالة الخمول لو لا جماعات زُمُج الماء الهائجة في سبيل أن تفوز بجيفة ما في أول الصباح البارد.

هذه هي السواحل ترسم سيرها الحفيف في تقارب مع أسراب النورس في أوان الشتاء الممطر، ولا هروب من التحام مؤقت ريثما تغادر عائدة إلى بلاد بدأت فيها كتل الجليد بالذوبان والأرض بالمسيل على دعة من الاسترسال.

ما بين تحليق هنا وهنالك على امتداد الرقعة الكبيرة من سطح المياه الواقعة بين المنامة والمحرق، تطفو النوارس حتى وقت راحتها بخليط ألوانها المتعددة؛ الأبيض، الرمادي، الأسمر، والأسود بثوب باهي يحاكي جمال الطبيعة في تضام لا إنفصام فيه.

من يغازل قرصان البحر في غفوته! سيان أن عبثت بروحه القلقة والشريرة أنواء الغرام، تجده على الأرجح في عناق ومغازلة تطول حد الذوبان والبلل، وتلك من اللحظات النادرة التي لا يفكر فيها بالقيام بسرقة بيض الطيور الأخرى؛ شركائه في متاعب الحياة. وهكذا تطول اللحظات العميقة وتنهمر الحياة لإنتخاب جديد، وتتواصل المسيرة من موسم لآخر في ظل هيجان الجسد الرشيق. وما أروعه خفة الكائن الذي يجلب تباشير الطقس والمزاح القابض على حنجرة الوقت والمكان.

يشهد ساحل المحرق على امتداده الوريف، مثل تلك اللحظات الممتلئة بانثيال الشبق. وفي الشتاء الممطر تتناثر الأجنحة وتصطف وتتصارع وتجنح نحو النهايات السعيدة والمكتنزة بالفحولة واستمرارية الحياة.

البحر في تضاريسه وطقوسه يتعثر في عسر الماء الذي يشقه إلى موات أزرق من لون قاحل وطافح بالإخضرار الطحلبي السام ولا مناص حين يرمّم حطام كل شيء حتى نفسي الذاهبة في أودية شتى من الضجيج والضجر والسأم.

حميمةٌ هي اللحظات التي نمتلكها على سعة أطراف وجوف البحر الذي يحتوينا بلا ضيق؛ موجة إثر موجة تعلو وتهبط بأنفاس النورس الرابض على حواف الماء والبَلْبَلَة التي تشقيه في سبل كسب العيش.

حينًا في رقصة الموج، وأحيانًا كثيرة بين طيات رحلة في عرض البحر تواجه أجنحته العواصف بين الأمواج الهائجة التي ترميه من صخرة لأخرى، ومن مد إلى مد، ومن جزر إلى جزر.

في جغرافية الأمكنة ومناط خطوط الطول والعرض، تنسرب أسراب النورس من أقاصي شمال الكرة الأرضية في أوروبا وآسيا مسترشدة بغريزتها وفق خارطة طريق ناجحة حتى تصل إلى الدفء وحيوية الشمس، وبلاد تفيض بالأخيار من بني الإنسان.

تبدأ الطيور في احتلال سواحل الخليج وجزره في مشهد بديع في أوائل شهر أكتوبر، لتبدأ في شهر أبريل بالهجرة في مقياتها المعلوم، مجددًا باتجاه مواطنها الأخرى.

فالنورس طائر إنتهازي وفضولي وواسع الحيلة، كما أنه يفرض سطوته على المكان ويخطف الأضواء بعينيه اللتين تشعان بالذكاء والإصرار، وهو نموذجًا للطائر الذي يعرف يقتات عيشه بكل سهولة من حوله فقط، خاصة بين قوارب الصيد المنتشرة على الشواطئ، ومن فك طيور أخرى.

ما وجدت طائرًا يمزق هدوء البحر، مثلما يفعل النورس، ومع ذلك يرقعه بالرشاقة التي تظهر في صياحه عند لحظات الوطر. طائر مراوغ ومخادع ومخيف حتى في لحظات سكونه المباغت، ولا سِيّما أوان تناسله.

في معركة الأمعاء الخاوية يختنق الرهُام الذي لا يُصاد، ببلاد الصقيع، حتى تستيقظ خلاياه هنا، وهكذا ينقذ نفسه من ابتلاء الطبيعة المتكرر.

فهل يكتفي بالجيف ويكف عن خطف المزيد من أيادي البشر، وفاءً لأهل السواحل، كي لا يُغدر به في رحلته الأبدية؟ لا أظن أن ذلك سيحدث، فقط نأْمُل!

رائحةٌ تتمددٌ، وتعبق بالمكان، كما اندياح الأمواج في إنزلاقاتها المتواترة، مخلفة أخلاطًا من الروائح التي تتسنمها رائحة الأسماك النفاذة.

ويشغل البحر مسرحًا ضاجًا وأمديًا بسرد الحكايات التي تتلوها النوارس في تناغم فريد وهامس.. وتخلق منه حوارًا نشطًا مستلهمًا من الطبيعة وإليها حيث يدور بين الماء والنورس وطيور أخرى وطائفة من الأسماك والفضلات.

ويجوب النورس البحر بساقيه النحيلتين بكل ثقة، كأنه في حكم الدنيا سرمدي هذا الشموخ؛ لا بداية ولا نهاية له.

الماء ينهمر خفيفًا كندى الصباحات في محاذاة أحجار السواحل وصمت “أقيانوس” إله البحار في الأساطير الإغريقية.

وهب نسيم أوقيانوس على الخليج، كما في الميثولوجيا الإغريقية على المحيط، وطارت أجنحة الحكايات ترفرف بين صواري قوارب صيد الأسماك.

في أسطورة المحيط يُعْتَقَد بأنَّ (أوقيانوس حاكم المحيطات والأنهار) شبه ثعبان، وفي أغلب الأحيان الجسمِ الأعلى رجل عضلي مَع لحية وقرون طويلة، والجذع السفلي سمكة.

أما الآلهة الأخرى، ميدوسا، كان كل من ينظر إلى عينيها يتحول إلى حجر. وهل تلك الأحجار طيور في الأصل كما زعم البعض بأن ميدوسا بنت بورسيوس (إله البحر)، قد نظرت إليها بعض طيور النورس في عينيها فتحولت إلى حجر ناصع البياض.

وما أن تملأ الأفق نتف سحب الإرهاق الحراري العاتية وتصاب البلاد بشدة الحرارة والرطوبة العالية حتى يبدأ طائر النورس العابر مسرعًا في المغادرة بعد حياة حافلة في سواحل المحرق والبحرين.

يمكن القول عن النورس في خاتمة المطاف: ثمة شيطانًا جائعًا ونزقًا يسكن داخله.

‏لعل من المناسب أن يكون الصوفي جلال الدين الرومي ناصحًا لهذا الطائر الجميل: “أشرِق وكأن الكون كله لك”.